ميديا

الإذاعة السرية.. حين تمتزج العبقرية بالعزيمة

تاريخ 16 ديسمبر 2017 هو الذكرى الواحدة والستون لتأسيس الإذاعة السرية التي ولدت من رحم الثورة الجزائرية حيث سجلت حضورها بقوة في ذات اليوم من سنة 1956 بأمر من قيادة الاتصالات آنذاك وعلى رأسها المجاهد الراحل عبد الحفيظ بوصوف لتكون منبرا لإيصال صوت الجزائر الحرة المكافحة لكل أنحاء العالم وإبراز حق الشعب الجزائري في الظفر بالحرية والاستقلال.
واستطاعت الإذاعة السرية بفضل العاملين بها والسياسة الحكيمة لقادة الثورة التحريرية أن تكون سلاحا مجديا في يد الثوار تضاهي فعاليته الأسلحة الحربية فعبر أمواجها الأثيرية ساهمت في تحقيق حلم المجاهدين في الدفاع عن القضية الوطنية وبعث الثقة في نفوس الجزائريين والرد على الدعاية الفرنسية المغرضة التي مفادها أن الجزائر فرنسية كاشفة حقيقة الاستعمار الفرنسي وهمجيته.

التحديات الأولى… إذاعة على ظهر شاحنة تجوب الفيافي

رغم قلة الإمكانيات و التجربة استطاعت الإذاعة السرية الجزائرية التي كانت متنقلة على ظهر شاحنة في البداية هروبا من عيون المستعمر الفرنسي أن ترى النور في 16 ديسمبر من العام 1956 في المغرب الشقيق و بالتحديد من مدينة “الناظور”، وكانت تخاطب المستمعين لتقول “هنا إذاعة الجزائر حرة مكافحة …صوت جيش التحرير و جبهة التحرير الوطني يخاطبكم من قلب الجزائر”.
وبعد حصول قيادة الثورة على أجهزة اتصال أمريكية الصنع ، تم تعديلها لتستعمل في مجال البث الإذاعي كجهاز PC610 ، وتمكنت الإذاعة السرية من البث يوميا من خلال شاحنة متنقلة من نوع GMC و لمدة ساعتين ابتداء من الثامنة مساء، و كانت تستهل بثها بالنشيد الوطني متبوعا بأخبار عن كل ما يجري في الجزائر مع التركيز على أخبار المعارك و الخسائر التي كان يتكبدها العدو على يد الثوار.
وفي البداية لم تكن تملك الإذاعة الأناشيد الوطنية الثورية لأنها لم تسجل بعد لذا استعان طاقمها ببعض الأغاني و الأناشيد العربية مثل الأغنية المصرية للفنانة اللبنانية نجاح سلام “يا طير يا طاير خذ البشاير روح للجزائر”.

من الرباط إلى طنجة ثم تونس وصوت الجزائر المكافحة يعلو

وقد كان أول مدير لها المرحوم محمد السوفي المتوفى في ديسمبر 2006 ولم يلبث صوت الجزائر أن انطلق يدوي من الإذاعات العربية الشقيقة بصوت المرحوم عيسى مسعودي -الذي قال عنه الرئيس الراحل هواري بومدين-“نصف انتصارات الثورة بفضل جيش التحرير ونصفها الآخر بفضل صوت عيسى مسعودي”.
بدءا بالرباط فطنجة ثم تونس، لتفتح أغلب الإذاعات العربية برنامجا خاصا يدعم الثورة الجزائرية، مثلما فعل صوت العرب من القاهرة، والإذاعة الليبية من طرابلس وبنغازي، والكويت وبغداد وجدة ودمشق وغيرها.

أسسها عبقري الاتصالات بوصوف واحتضنها المخلصون للثورة

الإذاعة السرية تأسست بفضل عبقرية المجاهد عبد الحفيظ بوصوف، احد أبناء ولاية ميلة (شرق الجزائر) ، الذي اشرف على تكوين مجموعة من المجاهدين الذين انضمّوا إلى مشروعه.
حيث شاء القدر مرة أخرى، أن يكون أول صوت ينبعث عبر أثير الإذاعة السرية، لأحد أبناء ولاية ميلة أيضا و هو المجاهد الشيخ محمد رضا ابن الشيخ الحسين و أن أول ما بدأ به هو أول آيات من سورة الملك في كتاب الله الحكيم.

الإذاعة السرية جاءت لترد على الدعاية الفرنسية المشوهة للثورة

تأسيس الإذاعة السرية جاء كرد فعل على الدعاية الاستعمارية المغرضة المشوهة للثورة الجزائرية و جنودها و قادتها، و أكد ان المجاهد عبد الحفيظ بوصوف كان له الدول البارز في تأسيسها و رعايتها حتى أصبحت تبث من المغرب و تونس.

الإذاعة السرية عملت على تزويد الجزائريين بأخبار الثورة بثلاث لغات

وتنوعت مضامين البرامج في الإذاعة السرية الذي أذيعت باللغة العربية والفرنسية والأمازيغية بين البلاغات العسكرية و التعليق السياسي و الرد على الإدعاءات الاستعمارية بالإضافة إلى بث برامج تعبوية في إطار عمل إعلامي هدفه الأول تزويد الجزائريين بأخبار الثورة و تطورات الأوضاع في الداخل و الخارج .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن عبد الحفيظ بوصوف هو أول من جاء بفكرة الإذاعة السرية و كان آنذاك قائدا للولاية الخامسة ، أما مهمة تسيير مضمونها الإعلامي تكفل بها المناضلون كمال داودي الذي كان مسؤولا عن القسم الأمازيغي، عيسى مسعودي كان مسؤولا عن القسم العربي، أما مصطفى تومي فتكفل بالقسمين الفرنسي و العربية الجزائرية أي “الدارجة”، بالإضافة إلى كل هؤلاء نجد مدني حواس، بلعيد عبد السلام، محمد سوفي، عبد الرحمن الأغواطي،خالد سوفي،دحو ولد قابلية،خالد تيجاني،عبد المجيد مزيان،رشيد نجار و القائمة طويلة. وبحسب المناضل مصطفى تومي هؤلاء كانوا يحرصون على إيصال الأخبار و المعلومات للمواطنين و بثلاث لغات.

إهتمام الحكومة المؤقتة بالإذاعة السرية

بعد تأسيس الحكومة المؤقتة الجزائرية في 19 سبتمبر من عام 1958 ازداد اهتمام قيادة الثورة التحريرية بدعم العمل الإعلامي بصفة عامة و العمل الإذاعي بصفة خاصة، حيث إستفادت الإذاعة السرية من تجديد أجهزتها و تقوية البث و زيادة الحجم الساعي لها، كما دعم طاقم العاملين فيها بعدد من الصحفيين المناضلين كإلتحاق عيسى مسعودي الملقب بالصوت الرمز للثورة الجزائرية .

المستعمر الفرنسي فشل في التشويش على أمواج بث الإذاعة السرية

حاول الفرنسيون قطع الطريق أمام نجاح هذه الإذاعة من خلال التشويش على برامجها، لكن بفضل تقنييها الشباب الذين ابتكروا عدة أساليب استطاعت مواجهة مخططاتهم كتقريب موجات بث الإذاعة السرية من موجات فرنسا أو أي دولة لها علاقة طيبة معها، و بالتالي كانت كل عملية تشويش تقوم بها فرنسا عقبها مباشرة تكون هي أول المتضررين و بعدها الدول الصديقة لها.
واستعمل المستعمر الفرنسي أساليب البحث التقني للعثور على شاحنة البث لكن و لحسن حظهم باءت كل محاولات المستعمر بالفشل.

كما اختارت الإذاعة أمواج البث القصيرة لا الطويلة لأن هذه الأخيرة تتطلب طاقة كهربائية و أجهزة أكبر و هو ما لم تكن تمتلكه بسبب ظروف الحرب.

عيسى مسعودي… صوت الإذاعة السرية

عيسى مسعودي، أو كما يلقبه رفقاء النضال بالصوت الرمز للثورة التحريرية، بعد انضمامه للإذاعة السرية أعطى دفعة قوية للعاملين بها، حيث كان بصوته الثوري الجهور و فصاحة لسانه و حماسه المنقطع النظير يشحد همم الثوار الذين كانوا في ساحات المعارك يضحون بالداء و النفيس لتحرير الجزائر من براثيم المستعمر الفرنسي الغاشم.
الرئيس الراحل هواري بومدين كان يشيد بالدور البارز الذي لعبه عيسى مسعودي من موقعه في الإذاعة السرية، حيث كان صوت الثورة المدوي الذي فاقت قوته مدافع المعارك الضارية في الجزائر، حيث قال بومدين أن “نصف إنتصارات الثورة بفضل جيش التحرير و نصفها الآخر بفضل صوت عيسى مسعودي”.
إستطاعت الإذاعة السرية بفضل العاملين بها و السياسة الحكيمة لقادة الثورة التحريرية أن تكون سلاحا مجديا في يد الثوار تضاهي فعاليته الأسلحة الحربية، و لعل أهم ما ميزها كونها كانت جزائرية مائة بالمائة في برامجها و إطاراتها السياسية و التقنية على حد سواء.
فرغم قلة الإمكانيات والتجربة استطاعت الإذاعة السرية أن تحقق أهدفها في زرع الخوف في قلب المستعمر و بعث الثقة في نفوس الجزائريين و فك العزلة الإعلامية عنهم.

وكالات

تعليق

مقالات ذات صلة

إغلاق