ثقافة

“الديوان الإسبرطي”.. 05 أصوات زمن قدوم الفرنسي ورحيل العثماني

في توقيت فاصل، صادف نهاية التواجد العثماني في الجزائر، وقدوم الغازي الفرنسي لأرض المحروسة، تقع أحداث “الديوان الإسبرطي”، الرواية الأخيرة لـ “عبد الوهاب عيساوي”، المتوج بجائزة كتارا عن فئة الأعمال غير المنشورة، هذا الكاتب يعتبر أن ازدهار “الرواية التاريخية” لدى الجيل الجديد، هو بمثابة وقوف مع الذات في زمن الأزمات.

 

عما تحكي رواية “الديوان الإسبرطي”؟

“الديوان الإسبرطي” هي رواية تاريخية صدرت عن دار “ميم” 2018، تضم حولي 484 صفحة، أبطالها هم خمس شخوص، إثنان فرنسيان “ديوبون – و – كافيار- وثلاث أخرى جزائرية –إبن ميار-، -حاما السلاوي- والإمرأة-دوجة-.
فضاء الرواية ينحصر في الفترة الزمنية ما بين 1815 مع انهزام نابليون في واترلو ببلجيكا، و 1834 تزامنا مع قدوم اللجنة الإفريقي لتقرير مصير الجزائر حول رحيل الجيش الفرنسي منها أو لا.. الرواية تعود إلى سرد التفاصيل والحكاية الأولى لاحتلال الجزائر، وتحليل نهاية الوجود العثماني داخلها مع محاولة لقراءة تلك الحقبة بسلبياتها وإيجابياتها، وهل كان التواجد العثماني سببا مباشرا أو لا للاحتلال، أم أن التحولات الدولية آنذاك حتمت ذلك، علما أن كل شخصية رسمت لها دورا معينا في الرواية، وتربطها علاقة بمدينة المحروسة أو الجزائر وفق تسمية تلك الفترة.
إحدى الشخصيات هو صحفي فرنسي، قدم إلى الجزائر لتتبع حملة ديبرمون، ثم يكتشف أمورا لم ترق له، لتنافيها مع خلفيته الدينية المسيحية، فالمجيئ إلى هذه الرقعة من إفريقيا حسبه، كان لغاية “إرجاع نور الرب إليها”.
في حين أن “كافيار” هو شخص عسكري، اشتغل كضابط في جيش نابليونن وبعد خسارة الحرب انتقل إلى الصيد، ليجد نفسه أسيرا في الجزائر إلى غاية أن يتم تحريره في 1816 نتيجة حملة اكسموث على المدينة، هذا الشخص يكن حقدا دفينا بسبب سنوات الحجز، ويقرر أن لا يغادر، ليتقصى كيفية تفكير هؤلاء الناس ويكون بذلك مهندسا لحملة احتلال الجزائر.
أما الشخصيات الجزائرية فنجد “إبن ميار”، أعتبره أنه يشبه إلى حد ما شخصية حمدان بن عثمان خوجة، أي أنه يملك حضورا في الوسط العثماني وله ميولات دينية.. يرى الجزائر على أنها جزء من هذا العالم الإسلامي والامتداد العثماني، إذن هو شخصية سياسية، تنظر إلى الأشياء من منطلق متفتح على الحوار، وتبادل الآراء.. فيكتب عرائضا وأشياء من هذا القبيل.
على النقيض نجد شخصية “حمّة السّلاوي”، أي الثائر الذي لا يتقبل فكرة الوجود العثماني، يحاربه نقدا و سلاحا، وحتى مع حلول الفرنسيين كان من المقاومين في سيدي فرج، فهو يؤمن بالحل الثوري لتغيير الأوضاع، على عكس الآخرين، هنا أشير إلى أن الرواية المتعددة الأصوات وكما هو معروف، تستدعي أن تتباين الشخصيات وكل منها تحمل رؤية معينة، وإن تشابهت فالتخلي عن أحدها أفضل.
أما شخصية “دوجة” فهي تمثل الرؤية النسوية لباقي الشخوص والأحداث، أو الصوت الأنثوي في الرواية، فالأنثى أيضا لها خطاب ووجهة نظر.. هذه المرأة عانت الكثير في حياتها، تدخل المحروسة مرغمة، رغم أنها مدينة لا تحبها.

 

الرواية الجزائرية وصفت بعدم اهتمامها بالتاريخ، لكن مؤخرا نرى العكس، لما؟

 

الجيل الجديد من الروائيين أكثر اهتماما بالتاريخ، مرد ذلك هو الظروف السياسية والدولية، فسابقا وفي الثمانينات من القرن الماضي، حيث كان المشهد العام ترسمه معالم الحرب الباردة وصراع المعسكرين، كانت هناك الولاءات، والرواية بدورها انتصرت للقناعات والإيديولوجيات الراهنة، لكن مع بداية القرن الحالي، ازدهرت الرواية التاريخية كنوع من الموضة إلى حد ما، فهذا النوع أصبح له حضور كبير في الفضاء العربي.. لكن الأهم والعامل الأقوى هو ما يشهده الوطن العربي وتلك الرقعة من العالم الثالث التي تعيش العديد من الأزمات التاريخية التي ساهمت في تدهوره، فالإنسان الذي يحيى نوعا من الصدمة، يحاول دائما العودة إلى أصل الأزمة، سواء لتحليلها أو إعادة قراءتها.. أذكر مثلا هزيمة 1967، حيث عاد الجميع إلى نقد التراث وتقديم الرؤى من زوايا مختلفة، إذن العودة إلى التاريخ هو وقوف مع الذات لطرح الأسئلة وصياغتها مجددا، لإعادة تشكيل موقف مع التاريخ.

  • سأله أوراري محمد

تعليق

مقالات ذات صلة

إغلاق