أقلام

الهروب الكبير – الحلقة السادسة –

.. في جنح الظلام ومن تلك البلاد المنكوبة كان صوت الرصاص يسمع بوضوح وكان صراخ الشعب الهارب يسمع بوضوح أكبر، كانت جيوش الضفة الأخرى تطلق الرصاص على ملايين الناس بلا رحمة فروا اليها على عشرات الآلاف من الأقارب المهترئة، في الوقت الذي كان الرصاص ودوي المدافع والصواريخ تدك الزوارق وتنير سماء الضفة الأخرى في البحر، كان ما بقي من رهط العصابة هنا على تلتهم ينظرون إلى أنوار الصواريخ والخطوط التي ترسمها الرشاشات الثقيلة في السماء تظهر من بعيد، حتى ان أطفال محمية المسؤولين في تلك التلة شعروا بالسعادة الكبيرة وهم ينظرون إلى ما اعتقدوا انها العاب نارية، لكن لم يعكر صفو فرحتهم بتلك الليلة سوى عويل النساء تأتيهم من بعيد وصراخ الرجال وبكاء الأطفالـ، بينما كان كل ذلك يحدث كان الكثير من الوزراء ورجال الأعمال والمال يرتبون أمورهم وبعضهم يبحث عن وثائق تثبت انهم لا ينتمون الى هذا الوطن، شهادة تعليمية لأولادهم من الخارجـ، جوازات سفر تثبت انهم من الضفة الأخرى وليسوا من هذه البقعة المنكوبة، جنسية كانوا قد حصلوا عليها، انهم اليوم عراة فلا ظهر يسندهم فالشعب الذي كانوا يستعملونه كديكور دولة يباد عن بكرة أبيه على الضفة الأخرى والاستعمار ستخلو له الأرض ولا شعب يحميها و لا أمل إلا في جيش ما يزال يستمد روح الشهداء مستعد للوقوف إلى آخر رجل فيه ..
في محمية الوزراء بدا الهمس بين البيوت أن شاطئهم بدأ يتحول لونه إلى الحمرة، سخر البعض من ذلك ولكن بعضهم حملوا المصابيح واتجهوا الى الشاطئ الذي كان دوما لهم وحدهم، فاكتشفوا ان الموج الهادر في تلك الليلة تحول لونه الى الوردي واللون الوردي بدا يتحول الى الأحمر القاني، وكلما بدأ صوت الناس يخفت وصوت الرصاص والصواريخ يقل كلما ازدادت حمرة لون البحر، انسحب بعضهم الى الخلف بينما بقي البعض مشدوها الى مشهد اللون الأحمر الذي صار عليه البحر، وفي خضم هذا كله نادى منادي من أعلى
المحمية أن الوزير الأول يطلب اجتماعا ..
فهرول الجميع نحو قاعة الاجتماعات الصغيرة الموجودة في المحمية.
دون برتوكولات ودون ترتيب في مقاعد الجلوس جلس بعض الوزراء والولاة والمدراء الكبار والشخصيات الكبيرة بينما بقي بعضهم واقفا لعدم وجود مقاعد اضافية وضيق القاعة، فهذه القاعة كانت تستعمل للاجتماعات الصغيرة، واليوم الأمور تغيرت والأمر جلل,
بسرعة تكلم الوزير الأول
_ حسب تحليلي فإن البلاد سيتم اقتحامها
نظر الجميع وجوه بعضهم
_ نحن بلا شعب والبلاد خاوية على عروشها ولم يبق الا نحن وبعض المجانين في الشوارع وحتى قطط المنازل وكلاب البيوت فرت الى الغابات والأحراش، والجيش لن يهتم لشأننا .. قال الوزير الاول ذلك فأطبق الجميع صمتا وكأن على رؤوسهم الطير .
نطق أحدهم
_ نحن لم نستقيل وسنمارس مهامنا بصفة عادية، فالمناصب والوزارات ما تزال كما هي وسنحترم القانون و المناصب وتدرجها و ……
ولم يكد يكمل جملته حتى قاطعه واحد من كبراء القوم له باع طويل في المسؤولية وما يزال في منصبه رغم انحناء ظهره واشتعال رأسه شيبا
_ نحن لم نستقيل ولكن الشعب استقال، فماذا ستٌسير انت في قطاعك وما هي المصالح التي ستسيرها ثم أين الموظفين في وزارتك ؟
مرة أخرى سرى صمت المقابر بين الجميع ..ولكن صوت ضعيف من احداهن يبدو أنها “نائبة” من نوائب الدهر التي حلت بهذا الشعب، كانت فيه نبرة الخوف والهلع
_ يعني هل ضاع كل شيء ؟
_لا لم يضع شيء قال أحدهم، وواصل قائلا يمكننا الاتصال الآن بدول قارة أطلنطس الفقيرة ندفع لهم ما يريدون ويرسلون لنا الآلاف من سكانهم الفقراء يمكن ان نشكل بهم شعب
ضجت القاعة بالموافقة، فالكل يريد الشعب لا يهم كيف سيكون المهم ديكور لوطن حتى لا تصل أي قوة لهذه البلاد .
مرة أخرى تناول الوزير الأول الكلمة وقال بصوت هادئ جاد
_ مثل هذا الغباء هو الذي أوصلنا إلى هذا الحال، من يضمن لك أن تلك الشعوب ستلين لنا ومن قال لك ان الجيش في الحدود سيقبل بذلك، حالتنا صعبة يا سادة، او على الأقل حالة الكثير منكم أما حالة البعض منا فهي في أفضل حال ..
لم يفهم أغلب الحاضرين هذه الجملة، ولكن ارجحهم عقلا وكان وزيرا سابقا له وزنه فهمها .. وصرخ قائلا :
_ ان الافضل حالا هم من يملكون جوازات سفر اجنبية و جنسيات أخرى، وإذا كان الأمر هكذا فلا حكومة الآن ولا هم يحزنون كل يتصرف حسب ما يحمي مصالحه لن نغرق وحدنا، فإذا كان بعضنا لا يملك جنسيات أخرى فهذا لا يعني اننا سنغرق بمفردنا الكل سيغرق او الكل سيتم انقاذه، وأخرج مسدسه من جيبه واطلق رصاصة في السقف فانبطح البعض ارضا والبعض وضعوا اصابعهم في أذانهم.
وكثر اللغط، حين انظم اليه بعض ممن لا يحملون الجنسية واخرجوا سلاحهم و بسرعة منعوا اي تحرك في القاعة استولوا على أسلحة خصومهم، وأصبحت الأمور خارج السيطرة .
يتبع../ ..
بقلم محمد دلومي

إهداء : إلى كل الأرواح التي ابتلعها البحر والى كل الأرواح التي تنتظر مصيرها هنا .. إلى كل الحراقة .. إلى كل الشباب الجزائري
هذه الأحداث الخيالية لا تمت بصلة لواقع أي دولة وأي تشابه بين الأحداث هو مجرد صدفة مقصودة ..

الحلقة الخامسة
الحلقة الرابعة

الحلقة الثالثة

الحلقة الثانية

الحلقة الأولى

تعليق

مقالات ذات صلة

إغلاق