أقلام

بين الإبداع الأدبي والأكثر مبيعا.. بقلم “محمد بومعراف”

محمد بومعراف
محمد بومعراف

من المواضيع التي خلقت جدلا كبيرا في العالم بين النقاد و مازالت هي موضوع العلاقة بين “رواج الأديب تجاريا و جدية و مستوى ما يكتب”، تذكرت الموضوع و أنا اقرأ تصريحا للكاتب ستيفن كينغ (الرائج جدا) عندما سئل عن الكاتبة “ستيفاني مايرز” (صاحبة رواية “الشفق” twillight) قال أنها “مجرد كاتبة قصص إباحية للمراهقات” (“الشفق” قصة حب و مغامرات بين فتاة و مصاص دماء صدرت منها أجزاء كثيرة و انتجت دراميا و باعت صاحبتها منها 100 مليون نسخة عبر العالم)، كينغ الذي يكتب كثيرا (لديه 50 رواية) و رائج تجاريا أكد أنه “كاتب جاد” رغم نجاحه التجاري و رفض أن يقارن بمايرز، لكن ذلك ليس رأي النقاد أو على الأقل معظمهم و كينغ مستبعد من الجوائز الأدبية “الجادة”، الناقد الأمريكي الشهير هارولد بلوم (الذي يعتبره البعض أكبر ناقد أدبي في العالم) قال مرة أن ستيفن كينغ “يلصق فقط الكلمات و الجمل و الفقرات” و أن “الذين تعودوا القراءة لفولكنر و جويس سيشعرون بالسقوط عند القراءة لكينغ”، ظهر لي بعدها أن البحث في نموذج و مدرسة أدبية أخرى مثل مدرسة اللاتينية الكبيرة (ربما لأن صناعة الدراما و السينما في أمريكا تتداخل مع الكتابة و تشوش الرؤية) فكان النموذجين الأكثر حضورا للرواج التجاري رجل و امرأة، باولو كويلو و ايزابيل اييندي و أردت معرفة نظرة عموم النقاد اللاتينيين لهما (بعيدا عن الإعجاب المباشر الذي يوحي به الانتماء للأدب اللاتيني خاصة عندنا في العالم العربي المعزول تقريبا بسبب ضعف الاهتمام و الترجمة النقدية)، باولو كويلو يعتبر ظاهرة بدأت في بلده البرازيل و تضخمت بعد ذلك في كل العالم، عشرات المقالات و المواضيع التي قرأتها لنقاد لاتينيين و حتى تعليقات قراء كانت سلبية تجاهه و حتى ساخرة، ثلاثة أرباع هؤلاء النقاد يضعون كويلو ضمن ما يعرف عندهم ب”الأدب القمامة” و ذلك تصنيف عندهم و ليس مجرد مسبة أو تحقير و “الأدب القمامة” هو ما ينسى بعد قراءته و يرمى بعد استعماله (jetable ) تماما مثل مسلسلات الحب الطويلة عندهم (telenovelas) و التي يعتبرها مثقفوهم مجرد تسلية “نميمة نسوية” و ليست دراما عميقة، يصنفونه أيضا ضمن ما يعرف بأدب “المساعدة الذاتية” (autoayuda) و هي شيء ضمن نطاق “التنمية البشرية” و ذلك يفسر قليلا انتشاره المتزايد لوجود سوق ضخمة يمكن استهدافها ب”آلة ترويجية” و كون الملايين من الذين يعانون أزمات نفسية و عاطفية و احباطات وجدوا في روايات كويلو “مسكنات ألم”، الناقدة مرسيدس فالكوني وصفته ب “الجاهل صنيعة الإشهار” و أنه يبيع الوهم للمكتئبين و يكرر عليهم عبارات سهلة غبية مثل “سعادتك تتعلق فقط بارادتك و تقديرك لذاتك” و هو كلام حسبها “فيه احتقار للطب النفسي و للمرضى أنفسهم”، هناك عنصر آخر مهم بخصوص أمريكا اللاتينية و هو أنه عندما تكون أديبا من تلك القارة ذات “الجمال و الغرائبية و الخيال” فلديك فرصة (و لو صغيرة) أن تشتهر في لحظة ما و قد يعتبرك العالم ماركيز جديد (على شاكلة لاعبي الكرة عندهم عندما يذهبون لأوروبا ينظر إليهم أنهم كلهم مهرة و يملكون بعض قدرات بيلي و مارادونا)، من جهتها أيضا ايزابيل اييندي هي ظاهرة و نجمة أدب و هي أول أديبة من القارة تغتني من مبيعات رواياتها، استفادت من ماركيز و عرفت كيف تركب موجة الواقعية السحرية و أيضا استفادت من اسمها العائلي الذي يحيل إلى عمها رئيس الشيلي الذي انقلب عليه الديكتاتور بينوتشي (مما خلق تعاطفا كبيرا في أوربا و أمريكا مع “العائلة المظلومة”)، هي أيضا ينظر إليها أنها “صنيعة إعلامية” من طرف الكثير من النقاد اللاتينيين لكنها تبقى أفضل حالا من كويلو و رغم أن منتقديها يعتبرونها مجرد نسخة مقلدة و مؤنثة من ماركيز و أنها تكتب “تحت طلب السوق” و تفتقر ل”الأصالة” لكن المدافعين عنها يقولون أنه حتى تقليد ماركيز يحتاج موهبة كبيرة و حدث جدل كبير في الشيلي منذ سنوات عندما فازت بأكبر جائزة أدبية وطنية و التي ظلت تحلم بها لسنوات طويلة استبعدت منها، النقاد “المتشددون” اعتبروا فوزها مهزلة بينما اعتبره الآخرون مستحقا بعد مسيرتها الطويلة، الشاعر و الروائي الراحل روبيرتو بولانيو كان يسميها “الكويتبة”، اييندي ترد على ذلك بأن “الوسط الأدبي اللاتيني ذكوري جدا و معادي للمرأة” لكن الهجوم جاء من نساء أديبات أيضا مثل المكسيكية إلينا بونياتوفسكا التي وصفتها ب”الرديئة” و أيضا ناقدة ارجنتينية صرحت “اقرؤوا كتب الطب و البيولوجيا و الحشرات، روايات ايزابيل اييندي لا !”، الناقد الأمريكي الكبير هارولد بلوم أيضا اعتبرها “سيئة فنيا”، اييندي ترد عليهم و تفتخر دوما أنها تلقت تزكية و اعترافا من الشاعر العالمي الكبير ابن بلدها بابلو نيرودا (طريف أن ذلك يحيلنا لحالة عربية مشابهة) و أنه قال لها “أكتبي أنت موهوبة” رغم أنها تعترف بحادثة رفضه إجراء حوار معها عندما كانت صحفية، خصومها من النقاد يقولون ساخرين أن ما قاله لها نيرودا تحديدا هو “اسمعي انت تكذبين طول الوقت، تختلقين قصصا و تضعين في أفواه الأشخاص أشياء لم يقولوها، ذلك في الصحافة عيب لكنه في الأدب ميزة، كرسي نفسك للكتابة أيتها الصغيرة”،بعضهم يقول أنه رغم الإحساس المؤلم بالإهانة من قسوة ذلك التوبيخ إلا أن ايزابيل قررت العمل بنصيحة الشاعر الكبير و بدل أن تؤلف قصصا و تنسبها لأشخاص حقيقيين و تورط نفسها كما كانت تفعل في الصحافة فقد قررت تأليف الأشخاص أيضا و إصدار ذلك في روايات، روايات أوصلتها لثراء و شهرة و نجومية أدبية اختلف قومها بحدة حول مدى أحقيتها بها.

 

-الكاتب والإعلامي: محمد بومعراف

تعليق

مقالات ذات صلة

إغلاق